المزاح فی مدرسة اهل البیت علیهم السلامقانون المزاح فی مدرسة اهل البیت (علیهم السلام)

للمزاح فی مدرسة اهل البیت علیهم السلام حد وقانون کسائر الأمور فان هذه المدرسة المبارکة  النابعة من خاتم الأنبیاء وسید الاولیاء محمد بن عبد الله (صلى الله علیه واله وسلم ) واهل بیته المعصومین علیهم السلام قد تفردت بکنوزهم ودررهم   وتقّنَنَت بقوانینهم فقد وضعوا  لکل مسألة قواعد وخطوط ورکائز،  وکلامنا هنا ان شاء الله عن قانون وحد المزاح  فی مدرستهم المبارکة ..

یشترط فی المزاح ان یکون:

 1-حقا غیر محتوی على أنواع الباطل..

2- هادف فلا یؤتَ به الا  لأمر راجح ..

3-وقلیل کالملح فی الطعام فکثیره مذموم ..

والیک تفصیل هذا..

قد ورد المزاح فی نصوص اهل البیت علیهم السلام منها  قال الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم): (إنی لأمزح ولا أقول إلا حقاً) وورد " أنهم قالوا له (صلى الله علیه و آله): یا رسول الله، انک تداعبنا! فقال: إنی وإن داعبتکم، فلا أقول إلا حقاً ". وقال الامام الباقر (علیه السلام): (ان الله یحب المداعب فی الجماعة بلا رفث)، وقال الامام الصادق (علیه السلام): (ما من مؤمن الا وفیه دعابة وقیل ما الدعابة؟ قال: المزاح) وجاءت امرأة إلى رسول الله (صلى الله علیه واله ) وقالت: " إن زوجی یدعوک. فقال (صلى الله علیه و آله): زوجک هو الذی بعینه بیاض؟ قالت: والله ما بعینه بیاض؟ فقال: بلى، إن بعینه بیاضاً. فقالت: لا والله؟ فقال: ما من أحد إلا بعینه بیاض ". وأراد به البیاض المحیط بالحدقة. وجاءته امرأة أخرى، وقالت: " احملنی یا رسول الله على بعیر. فقال: بل نحملک على ابن البعیر. فقالت: ما أصنع به، انه لا یحملنی، فقال (صلى الله علیه و آله): هل من بعیر إلا وهو ابن بعیر؟ ". وکان (صلى الله علیه و آله) یدلع لسانه للحسین (علیه السلام) فیرى لسانه فیهش له. وقال لصهیب ـ وبه رمد وهو یأکل التمر ـ: " أتأکل التمر وأنت أرمد؟ فقال: إنما آکل بالشق الآخر. فتبسم رسول الله حتى بدت نواجذه ". وأمثال هذه المطایبات مرویة عن رسول الله (صلى الله علیه و آله) وعن الائمة ـ علیهم السلام ـ وأکثرها منقولة مع النسوان والصبیان، وکان ذلک معالجة لضعف قلوبهم، من غیر میل إلى هزل ولا کذب ولا باطل...

والروایتان الاولى والثانیة تؤکد الشرط الأول بالنص وکذا بقیة الروایات بالتطبیق والمضمون  کما انها تؤکد الشرط الثانی  فقول المصطفى صلى الله علیه واله "ولا أقول إلا حقاً " یخرج ما کان باطلا  وکذلک قول الامام الباقر علیه السلام  "بلا رفث "

وهنا نقول :عندما یکون هم الانسان وهدفه  اضحاک الاخرین بای وسیلة ویسعى للشهرة بین الناس بانه ( فکاهی) او (ضحوکی ) ..الخ من هذه المصطلحات  فانه سوف یطرق أی باب یؤدی هذه النتیجة وعلى الاغلب ستکون الأبواب  فاسدة وباطلة ومحرمة  وقد نهت مدرسة اهل البیت علیهم السلام أبنائها عن هذا ، ومن صور هذا المزاح الباطل :

  • الغیبة : البعض یمزح عن طریق التکلم على شخص غائب بالشکل الذی یضحک الاخرین سواء التکلم على دینه او على دنیاه او على مرض یصیبه او بای صورة تتحق الغیبة والضحک  ولا خلاف فی ان مثل هذا من الکبائر  بل احد أسباب ودوافع الغیبة  هو السعی لاضحاک الاخرین  أی المزاح .
  • الکذب : لا شک ولا خلاف فی حرمته  ولا یبعد ان یقع فیه المازح فیختلق مواقف بلا واقع  یصورها  بالشکل الذی یضحک الاخرین وکثیرا ما یقع فیه المشهور بالمزاح  کی لا یخلو من مواقف الاضحاک !
  • السخریة والاستهزاء : فی الکثیر من حالات المزاح الباطل یکون هناک ضحیة مثلا شخص فقیر لا حول له ولا قوة او مریض او ضعیف مقاما  یقوم هذا المازح بالاستهزاء به والاستخفاف لکی یضحک الاخرین وهذا الامر یکاد ان یکون شائع  فاکثر المجالس غیر المبنیة على التقوى  تشهد هذه الحالة المؤسفة  ومثل هذا المزاح باطل ومن المحرمات فضلا عما یفرز من کراهیة وضغینة وحقد  وتحطیم لنفسیة هذا الانسان البریء على الرغم مما یظهره من ضحک لتحتیم الموقف ذلک الا انه بلا شک سیشرب فی نفسه شیء  من ذلک .
  • التخویف والترویع : قد یمزح البعض من خلال  اخافة الاخرین وترویعهم کان یمزح باستخدام الأسلحة او ان یجفل الاخرین  کالاختباء لیلا ورمی شیء  على انسان او اسماعه أصوات غریبة  او ان یمزح  بالنار او بالماء   او إخفاء متاع شخص  مثل الهویة الشخصیة او المفاتیح  وهذا هو ما یؤذی الاخرین  ولا اشکال فی بطلانه
  • الاستهزاء بالمقدسات : قد یحلو  للبعض ان یمزح بالمقدسات وهذا من اشنع أنواع الباطل فلا یکتفی بالمزاح عند حد  حتى تصل النوبة ان یمزح فی الله تعالى سبحانه وجل وعلا  وفی احکامه او فی انبیائه علیهم الصلاة والسلام او فی الائمة علیهم السلام ونوابهم کالمراجع  حفظهم الله تعالى وقدس اسرار الماضین منهم او القران وهکذا الحال فی کل مقدس ..
  • الالفاظ البذیئة : ومن المزاح الباطل الذی یحوی الفاظ سوقیة بذیئة یستقبح ذکرها  او مواقف کذلک فیسعى البعض ان یضحک الاخرین من خلال هذا النوع من  المزاح ولا یخلو من مفاسد ..
  • التجریح والاغضاب : لربما یکون نوع من المزاح طبیعی لشخص ولکنه لبعض الأشخاص یعتبر غیر طبیعی فتنجرح نفوسهم او یغضبون فیکون هذا المزاح باطل بحقهم فینبغی ان لا یحصل هکذا فیه ..
  • المزاح فی الوقت والمکان غیر المناسب : من المزاح ما یبطل لخصوصیة الزمان والمکان فربما فی غیر هذا الزمان والمکان لا باس به اما لخصوصیة مکان او زمان فیبطل المزاح کدرس او مجلس وعظ وکتشییع جنائز ومجلس عزاء وکضریح المعصومین علیهم السلام وهکذا فلا یصح هنا المزاح ..

وهکذا لا نرید ان نطیل القائمة اکثر  بل  کل مزاح یحوی محرم فهو باطل وکذا کل مزاح یخالف الآداب الإسلامیة  فهو مذموم،  فینبغی للمزاح ان یخلو من الرفث وان لا یخرج من دائرة الصدق

وفی الشرط الثانی نقول:

فی مدرسة اهل البیت لا یؤتى بشیء بلا فائدة وبلا نفع  بل لغرض ولهدف ولابد من ثمرة  والمزاح کذلک حکمه فیؤتى به من اجل غیره کإدخال السرور على قلوب المؤمنین او إزالة همومهم واحزانهم  وهذه الأمور مستحبة بنفسها وای وسیلة ضمن الدائرة الشرعیة تحقق الغرض ستکون مطلوبة ویحصل الثواب على ثمرتها  وبزعمی  وتصوری سیحصل المؤمن  ثوابا على المزاح  من خلال غایة المزاح  الصحیحة  کغایة ادخال السرور او تفریج الهموم وإزالة الحزن والکروب فلا یحصل على شیء بمجرد المزاح بل الأساس مذموم لنفسه کما یصرح بذلک علماء الاخلاق .

فکما فی الحدیث (مزاح المؤمن عبادة) والحدیث الآخر: (من أدخل على مؤمن سروراً فرح قلبه یوم القیامة)، تکون الدعابة نافعة لیس فقط لازالة التوتر واشاعة المرح فی الدنیا فحسب، بل لکسب الثواب فی الآخرة ایضا. ولا یتحقق مثل هذا المزاح من اجل المزاح بل لغایة ارقى واسمى  وهنا  العبادة وهو المطلوب ، ففی شبکة السراج . ... ومن أرقى أنواع المزاح، ذاک المزاح الذی یکون ظاهره مزاحاً؛ ولکن باطنه أعلى صور الجد، وهو الذی یُذهب هماً وغماً عن قلب مؤمن.. کأن یرى الزوح زوجته مهمومة حزینة: إما لأذى الناس، أو لأذى أولادها، أو لأی شیء؛ فیمزح معها مزحة؛ وإذا بها تنسى ما فیها من الهموم!.. هذا السرور الذی أدخله على قلب زوجته، قد یکون عند الله عز وجل؛ أفضل بکثر من الجد!.. (الْمُؤْمِنُ: دَعِبٌ، لَعِبٌ.. وَالْمُنَافِقُ: قَطِبٌ، وَغَضِبٌ)؛ لیس بمعنى الدعابة واللعب الباطل، ولکن بمعنى خفة الدم: فإن سافر مع قوم -مثلاً- لا یزعجهم، وینساق معهم، ویساعدهم.. وإن حلّ ضیفاً على أحد؛ یکون ضیفاً محبوباً!.. أما المنافق فإنه قطب غضب: أی عبوس ووجهه مکفهر، وهذه لیست من صفات المؤمن أبداً.

ومما یطالع فی هذه الباب هذه الروایة  لتبین هدف صحیح من اهداف المزاح  روی عن الامام الصادق علیه السلام ( انه قال لاحد اصحابه: کیف مداعبة بعضکم بعضا ؟ فقال الرجل : قلیل 

فقال الامام علیه السلام : "فلا تفعلوا ، فان المداعبة من حسن الخلق وانک لتدخل بها السرور على اخیک ولقد کان رسول الله صلى الله علیه واله وسلم یداعب الرجل یرید ان یسره " ).

الشرط الثالث :

صحیح  ان المؤمن کما فی الحدیث ( هش بش ) ولیس بالعبوس المقطب  وصحیح  ان المداعبة جزء من حسن الخلق .. وغیرها الکثیر مما ورد ولکن ورد التحذیر والتنفیر من کثرتها  فکثرة المزاح مذموم على أی حال والیک اخبار من میزان الحکمة ج 4 :

- الإمام علی ( علیه السلام ) : رب هزل عاد جدا .

عنه ( علیه السلام ) : غلبة الهزل تبطل عزیمة الجد.

عنه ( علیه السلام ) : من کثر هزله استجهل .

عنه ( علیه السلام ) : کثرة الهزل آیة الجهل .

عنه ( علیه السلام ) : من کثر هزله بطل جده .

عنه ( علیه السلام ) : من جعل دیدنه الهزل لم یعرف جده .

عنه ( علیه السلام ) : من غلب علیه الهزل فسد عقله .

عنه ( علیه السلام ) : من قل عقله کثر هزله .

عنه ( علیه السلام ) : الکامل من غلب جده هزله .

عنه ( علیه السلام ) : أعقل الناس من غلب جده هزله ، واستظهر على هواه بعقله .

عنه ( علیه السلام ) : من کثر مزاحه استجهل .

عنه ( علیه السلام ) : من کثر مزاحه استحمق .

عنه ( علیه السلام ) : من کثر مزحه قل وقاره .

عنه ( علیه السلام ) : من کثر مزاحه لم یخل من حاقد علیه ومستخف به .

عنه ( علیه السلام ) : فی السفه وکثرة المزاح الخرق .

عنه ( علیه السلام ) : الإفراط فی المزح خرق

وقال رسول الله (صلى الله علیه و آله): " لا تمار أخاک ولا تمازحه "، وقال بعض الأکابر لابنه: " یا بنی، لا تمازح الشریف فیحقد علیک، ولا الدنیء فیجترئ علیک "، وقال آخر: " إیاکم والممازحة، فانها تورث الضغینة وتجر إلى القطیعة ". وقال آخر: " المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعة للاصدقاء " وقیل: " لکل شیء بذر، وبذر العداوة المزاح ".

وکثرة المزاح  ودوامه مذمومة بلا اشکال  اما اصل المزاح فمذموم ان کان من أنواع ما قدمناه من باطلها او على الکثرة اما ما کان حقا وبلا رفث وهادف کما اشرنا فلا اشکال فیه بل ومطلوبیته کما ان المصطفى (صلى الله علیه واله ) قد سنه.

الکاتب / امیر صادق العامری

 

 2015-08-23